ابن الذهبي

31

كتاب الماء

الأفيون يؤثّر في البدَن أثَراً ظاهِراً ، والكثير من المَاء لا يؤثِّر ، بل يَنْتفِع به ؟ وكيف يكون الأفيون أبردَ من المَاء ، والماءُ أحدُ مُفْرداته ؟ فأقول : المَاء أحد الأُسْطُقْسات 6 وكل واحدٍ منها مُتجاوز في طبْعه درجات الأدوية تجاوزاً كبيراً 7 . فالمَاء ليس في درجة من الدّرجات الأربع ، فهو في برده ورُطوبته خارجٌ عنها جدّاً ، وأكثر برداً ورطوبةً من الأشياء المركَّبه . وإنّما صار لايقتُل لأنّ بَردَه ورطوبته بفعلِه . ومعلوم أنّ في بدن الإنسان حرارة بالفِعْل ، ومعلومٌ كذلك أنّ الحارّ بالفِعْلِ يعْدِلُه الباردُ بالفِعْلِ ، فلهذا صار الماءُ لايقتُل . وأمّا البارِدُ بالقوَّة فلا يُلائمُ الحارَّ بالفِعْل . فالماءُ إذا وَرَدَ البدَنَ صار أحد الأُسْطُقْسات فأَحياهُ . وأما الأفيون فليس كذلك ، ولا بَرْدُه بالفِعْل ، فهو مُعانِد للحارّ الذي في أبداننا لايُمازجه فيبرِّدُه ويُعَدِّلُه ، بل يُجَمِّده ويُطْفيه ، لأنّه يَحبِس الدَّمَ بأْنْ يَجرى من الأُذَين الأيمن من أُذُنَى القلب إلى الأُذَين الأيسر ، ويمنع ما يسرى في الشّريان إلى الأعضاء من الحرارة التي بها الحياة لأنّه بطبعه يمنع ما يسيل إلى العُضْو وما يسيلُ منه . وأمّا الماء فإنّه يلائم الحارّ الغَريزىّ ويُمازجه ويتّحد به ، ويُعِين ما ينبعث من الأذَين الأيمن إلى الأذين الأيسر من أُذُنَى القلب . ولذلك فإذا شرب إنسانٌ ماء بارداً عن حاجةٍ في وقت صائفٍ اعتدَل مزاجُ قلبه والتَذَّ به . وأمّا الأفيون فإنّ الإنسان إذا شَمَّه أو تناوله أسْبَتَهُ وكَدَّرَ حاسّاته . والماء طاهِرٌ مُطَهِّرٌ مُنَقِّ للأوساخ ظاهراً وباطِناً ، ومُطَيِّبٌ مُحَسِّنٌ للمنظر ، وهو أوّل ما ينبغي التّطَيُّبُ به . ويُرْوَى أنّه ( ص ) قال يوماً لأصحابه : كيف تقولون